صديق الحسيني القنوجي البخاري
588
فتح البيان في مقاصد القرآن
واحتج القائلون بأنه إسحاق بأن اللّه عز وجل قد أخبرهم عن إبراهيم حين فارق قومه وهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط فقال : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الصافات : 99 ] أنه دعا فقال : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [ الصافات : 100 ] وقال تعالى : فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [ مريم : 49 ] ولأن اللّه قال : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [ الصافات : 107 ] فذكر أنه في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم ، وإنما بشر بإسحاق لأنه قال : وبشرناه بإسحاق وقال هنا : بغلام حليم ، وذلك قبل أن يعرف هاجر ، وقبل أن يصير له إسماعيل ، وليس في القرآن أنه بشر بولد إلا إسحاق ، قال الزجاج : اللّه أعلم أيهما الذبيح انتهى ، وهذا مذهب ثالث وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين وتفويض علم ذلك إلى اللّه تعالى ، وما استدل به الفريقان يمكن الجواب عنه ، والمناقشة له . ومن جملة ما احتج به القائلون بأنه إسماعيل أن اللّه وصفه بالصبر دون إسحاق ، كما في قوله : وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الأنبياء : 85 ] وهو صبره على الذبح ووصفه بصدق الوعد في قوله : إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [ مريم : 54 ] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به ، ولأن اللّه سبحانه قال : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا [ الصافات : 112 ] فكيف يأمره بذبحه ، وقد وعده أن يكون نبيا ، وأيضا فإن اللّه قال : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [ هود : 71 ] فكيف يؤمر بذبح إسحاق قبل إنجاز الوعد في يعقوب . وأيضا ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة فدل على أن الذبيح إسماعيل . ولو كان إسحاق لكان الذبح واقعا ببيت المقدس وكل هذا أيضا يحتمل المناقشة والمسألة ليست من العقائد التي كلفنا بمعرفتها فلا نسأل عنها في القيامة فهي مما لا ينفع علمه ، ولا يضر جهله . وزعم ابن عباس أن الذبيح إسماعيل ، وعنه قال : المفدى إسماعيل وهو الأظهر ، وعنه قال : فدي إسماعيل بكبشين أملحين أقرنين أعينين ، وعن ابن عمر قال : « إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش » . وعن الفرزدق الشاعر قال : « رأيت أبا هريرة يخطب على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويقول : إن الذي أمر بذبحه إسماعيل » ، وعن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « قال نبي اللّه داود يا رب أسمع الناس يقولون رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني رابعا ، قال : إن إبراهيم ألقي في النار فصبر من أجلي ، وإن إسحاق جاد لي بنفسه ، وإن يعقوب غاب عنه يوسف ، وتلك بلية لم تنلك » . أخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه وفي إسناده الحسن بن دينار البصري وهو متروك .